المنتظر

كتبهامحمد يوسف ، في 25 أيلول 2008 الساعة: 09:42 ص


النبوءة

هو لم يخرج من بين أزقة الشوارع و مستنقعات الساحات الخلفية. هو مجرد طفل, كنيته (ع). كان يتأمل مساء في الأصوات القادمة من نصف المدينة الآخر التي تصمت حالما يصعد أذان الفجر. تملكه هوس عجيب في قدرة شخص على إخراس تلك الضوضاء الجميلة. بعد ذلك, يخرج ليطعم حماماته و يحمل ما تمكن من الحصول عليه ليخرج و يقابل أصدقاءه. باحثين عن ما يمكنهم إيجاده

إصباع من الشاي

كانت المدينة ساكنة. و بدلا من الضوضاء الموسيقية فجرا, ظهرت أخرى تمتد على مدار اليوم. منذ أن بدأت الحرب الأهلية و هو لا ينفك يتسائل عن اولئك الذين أهدوه الضوضاء: هم حقا من قتلوا صلاح قبل أيام؟ و يتذكر مقولة أبو محمد الدكّنجي: اولاد الكلب! مكفاناش طلعنا من البلاد, بدهم يرمونا في البحر!. إذا, تحددت الأدوار بكل بساطة: هم أولاد كلب.. أما نحن, فالأكيد أننا لا نعرف السباحة


إنحراف

يعد الضابط و قدمه فوق ظهره حتى الخمسين ثم يأمره بالإنصراف متبعا بعدد من الشتائم التي تدل على إلحاده. يعود للمنزل فيجد المياه مقطوعة, كما هي حالها منذ شهر. يخرج, كما اعتاد منذ شهر, إلى بيت كميل في الحي القريب ليأخذ حماما سريعا و يغيّر ملابسه. ينتهز الفرصة فيستخدم بعض العطور و الصابون و يخرج مسرعا حاملا تلك الوردة التي نتشها من حديقة كميل و يركض ليلتقي ندى.. كل ذلك تحت صوت الموسيقى ذاتها..
يقول في سرّه: كرمالها.. خلّي الضابط يعد للمية


و تكفر به دولة الإيمان

كم هو صعب شعورك بالخطأ رغم اعتقادك بالصواب. يتفقد المبنى الذي فجروه قبل عدة أسابيع. هناك كان نسوة يحملن أطفالهم. كان هنا أيضا ميليشيويون فاشيون هدموا عمارة (ص) قبل سنين ثلاث. لم يقتلهم بدافع الثأر أو القصاص. لربما كان الخوف على شقيق صلاح من أن يلقى مصير أخيه الأكبر. هيك بلد بدها تفجير, ولاد الكلب من جهة و اليهود من جهة, أي يلعنها من عيشة. يركض إلى فسحته خلف السور و يمسك أشرطة و سلاحا استخدمه من قبل في قتل شخص من النصف الآخر. كان هذا السؤال يؤرقه حتى الفجر: هل ستقتل من يقتلني يا صلاح؟


إنقلاب

لم يعد (ع) يهتم بما يحدث في منطقته بنفس المنطق. أدرك أخيرا أنه لا زال رصاصة لم تنطلق. ينطلق إلى محمد عماد ليرجوه أن يستخدم كافة صلاته ليخبر القادة بأن يوقفوا الجنون الحاصل و لو مؤقتا. هناك نساء لا يعرفن رائحة الصنوبر و أطفال لا يمتلكون دراجة ليخربوها. و محمد – بلهجة المهوّن- يدعوه بأن يترك الأمور و ربّك بسهلها انشالله. في ذلك اليوم يعود (ع) مرة أخرى ليستمع لمزيج من الموسيقى القادمة من طرف المدينة الآخر و صوت القذائف من جهة غير معلومة. المؤذن يعلو بأذان الفجر بينما يلاحظ أن لا أحد أعاره اهتماما. هكذا تتراكب الأصوات أمامه في الساعة الرابعة فجرا


عودة

يخرج إلى منزله, (ع) لم يقبّل أحدا قبل ثلاثين عاما. و اليوم, تبدو أظافره أكثر نضجا. و الزغاريد تصدح في السماء مهنئة. و استقبال مهيب من أهل منطقته و من أهل الطرف الآخر. محمد عماد يمسح دموعه التي يذرفها فخرا بتلميذه الذي استيقظ يوما و أدرك أن القتال لما هنا لا يفيد. أخذ كلاشنين من المخزن و أصطحب شقيق صلاح و فتيان قد ملأهما الحنين لأرض أجدادهم. و في طريقهم للخروج, وقفت ندى تودّعهم و هي تغني بدموعها: لبسوا الكفافي و مشوا..


من حجر و زعتر

الرابعة فجرا, تتأمل الجو المحيط. لا موسيقى من الطرف الآخر. لا أذان يرتفع و لا أصوات قذائف تسقط أو تنفجر. يكاد يقودها الصمت إلى الجنون فتلقي نفسها على قبر (ع). منذ ثلاثين عاما تشوّقت لتكون بقربه. و اليوم, يفصل بينهما تراب. تنظر ندى للشاهد بابتسامة حزينة: لا مشكلة يا حبيبي.. لا مشكلة.. لا أحد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب, بقلم كهربائي, فلسطين, لبنان | السمات:, , ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “المنتظر”

  1. منذ ثلاثين عاما تشوّقت لتكون بقربه. و اليوم, يفصل بينهما تراب. تنظر ندى للشاهد بابتسامة حزينة: لا مشكلة يا حبيبي.. لا مشكلة.. لا أحد

  2. اثنان و عشرون عاما هجريا و يوم :)

  3. لماذا سؤال صعب سؤال يراودني

  4. يا بابور قلي رايح على فين



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر